أسعد السحمراني
92
الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة
لبعضهم على تنوّع أنواع المحبة ، وتنوّع حاجة الشخص إليها . لأن الملاءمة بين غايات الأشخاص الذين تقوم بينهم العلاقة ، تؤدي إلى انتظام هذه العلاقة على أسس سليمة ، وهو ما يصحّ تسميته : العدل . فأفضل أنواع الروابط بين البشر تلك الرابطة القائمة على التعاون بالعدل . في ظل هذا النوع من العلاقات يأخذ كل إنسان حقّه ، ويقوم بواجبه كاملا فينتج العدل الذي هو وضع كل إنسان حيث يجب ، وينتج عن ذلك تقوية عوامل المحبة بين الأشخاص ، لأن التجاوز والتسلط ، وهو عكس العدل يفتح الطريق للشهوات ، والأنانيات مما يولّد البغضاء والحسد ، وهي أمور تعدّ من الرذائل ، وهي نقيض الفضيلة . ويقول أرسطو مركزا على عدل الحاكم في العلاقة مع رعيته : « وفي كل واحد من السير تظهر محبة على قدر ما يظهر العدل أيضا . أما محبة الملك في الذين يملك عليهم فعلى قدر تفاضل الإحسان . فإن الملك إذا كان خيّرا يحسن إلى من يملك عليهم ويتعهدهم لتكون أفعالهم عادلة كتعهد الراعي غنمه » « 1 » . لكن المحبة ليست نوعا واحدا عند أرسطو ؛ فهناك المحبة التي يريد فيها الإنسان الخير لغيره ولنفسه ، وهي المحبة التي تصنّف في أنواع الأفعال الفاضلة ، وهذه المحبة هي جوهر العلاقات الإنسانية . وهناك محبة مصطنعة يريدها صاحبها ، أو يظهرها ويريد من ورائها تحقيق اللذة والمنفعة على حساب غيره ، وهذه المحبة لا تستمر لأنها بالعرض وليست بالجوهر . والمحبة المصطنعة ستتوقف عند انتهاء المنفعة المستهدفة من ورائها ، وهذه ليست من أنواع الفضائل ، بل هي مضرّة ، ومفسدة لفضيلة المحبة التي تولد التعاون بالعدل . إنّه من المعروف « أنّ الذين يحبّون بعضهم بعضا يريدون الخيرات بعضهم لبعض لهذه المحبة التي يحبون بعينها . فإن الذين يحبون بعضهم بعضا لمنفعة فليس يحبون لذاتهم ، بل بأن يكون لهم خير ما بعضهم من بعض . وكذلك الذين يحبون للذّة ما ، فإنهم لا يحبّون العقّل
--> ( 1 ) أرسطو ، الأخلاق ، م . س ، ص 296 .